السيد الطباطبائي
319
تفسير الميزان
من الدعاء الا صورته الخالية من المعنى واسمه من غير مسمى فهؤلاء المدعوون من دون الله لا يستجيبون للذين يدعونهم بشئ ولا يقضون حاجتهم الا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ويقضى حاجته أي لا يحصل لهم الا صورة الدعاء كما لا يحصل لذلك الباسط الا صورة الطلب ببسط الكفين . ومن هنا يعلم أن هذا الاستثناء الا كباسط كفيه الخ لا ينتقض به عموم النفي في المستثنى منه ولا يتضمن الا صورة الاستثناء فهو يفيد تقوية الحكم في جانب المستثنى منه فان مفاده " ان الذين يدعون من دون الله لا يستجاب لهم الا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء " ولن يستجاب له وبعبارة أخرى لن ينالوا بدعائهم الا ان لا ينالوا شيئا أي لن ينالوا شيئا البتة . وهذا من لطيف كلامه تعالى ويناظر من وجه قوله تعالى الآتي : " قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا " وآكد منه كما سيجئ إن شاء الله وقد تبين بما تقدم أولا : ان قوله دعوة الحق المراد به حق الدعاء وهو الذي يستجاب ولا يرد البتة واما قول بعضهم ان المراد كلمة الاخلاص شهادة ان اله الا الله فلا شاهد عليه من جهة السياق . وثانيا ان تقدير قوله والذين يدعون الخ باظهار الضمائر الذين يدعوهم المشركون من دون الله لا يستجيب أولئك المدعوون للمشركين بشئ . وثالثا : ان الاستثناء من قوله لا يستجيبون لهم بشئ وفى الكلام حذف وايجاز والمعنى لا يستجيبون لهم بشئ ولا ينيلونهم شيئا الا كما يستجاب لباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وينال من بسطه ولعل الاستجابة مضمن معنى النيل ونحوه . ثم اكد سبحانه الكلام بقوله : " وما دعاء الكافرين الا في ضلال " مع ما فيه من الإشارة إلى حقيقة أصيلة أخرى وهى انه لا غرض لدعاء الا الله سبحانه فإنه العليم القدير والغنى ذو الرحمة فلا طريق له الا طريق التوجه إليه تعالى فمن دعا غيره وجعله الهدف لدعائه فقد الارتباط بالغرض والغاية وخرج بذلك عن الطريق فضل دعاؤه فان الضلال هو الخروج عن الطريق وسلوك ما لا يوصل إلى المطلوب .